كن سعيداً
ليكن كل أمل يومك مقصوراً على نسيان أمسك .. لا تفكر فيما
يأتيك به الغد"
في
ركن العالم الضاحك تحيا طوائف مختلفة من خلق الله .. كل ينظر إلى الحياة بمعياره،
ويقيس الخلاق بمقياسه، وقد اختلفت عندهم المعايير والمقاييس. وكأنهم مجموعة من
النحاتين أحاطوا "بنموذج" يتأملونه من نواحيه المتعددة فلا يرى أحدهم ما
يراه الآخرون لأن كلاً منهم يراه من زاوية تختلف حتما عن الزاوية التي يراه منها
الآخر.
هنا
يقف الذين جردهم الله من الضمائر، ففقدوا الإحساس بآلام البشر، وهناك وقف الذين
وهبوا "الصفاقة"، ففقدوا الخجل من النفاق. هنا يقف الذين جردوا من
الشعور بالحق، فاستمروا المتعة بالباطل، وهناك يقف من جردوا من الشعور بالخجل،
ففقدوا الاحساس "بالكسوف" هنا من جردوا من عزة النفس، فسهل عليهم
الهوان، وهناك من جردوا من العطف على البائسين، فسهل عليهم الإمعان في إيذائهم.
كل
هؤلاء لا تعوزهم السعادة، ولا تفوقهم ابتسامة الصباح، ولا ضحكات المساء. نراهم نحن
وكأنهم يعيشون في جو قذر انعقدت فوقه أبخرة الدنس الكريهة، ولكن وقد اعتادت أنوفهم
رائحة الرذيلة فإنهم يجدون فيه جوا نقياً معطراً
هذا
أحدهم "ابن حجاج" كان
في ذمته دين لغريم، فوقع عليه غريمه في الطريق، وسأله قضاء دينه فقال له أدعنى
للقاضي، فقال أنه صاحب له، قد يدعوك القاضي إلى اليمين ومن وراء الحنث به نقمة
الله فقال له ساخراً مستهزئاً:
وأدعوهم إلى القاضي عساهم إذا وقع الجحود يحلفوني
وأضيع ما يكون الحق عندي إذا عزم الغريم على اليمين
هذا رجل فك نفسه من عقال ضميره بقدر ما حل نفسه من أوامر
الله فلا ضمير يدفعه إلى الوفاء ولا رهبة الله تمنعه من الحنث.
وفي ركن الحياة الباسم يجلس رجل واحد قانعاً بما فيه ..
فهم الدنيا على حقيقتها: حلم يوقظنا منه الموت (كما قال شكبير). لا يجد في كل ما
حوته من متعة وزخرف إلا قبض الريح. فهم الحياة على أنها فترة عابرة تتكشف في
المولد عن ضوء يصحبه البكاء وفي الموت عن ظلام تصحبه الراحة. وما بينهما إنما هو
حقبة حرب وجهاد ليصل بها إلى الهدف المحقق وهو الموت. فما قيمة هذه الفترة في نظره
كرجل عاقل؟ ألا إنها لا تستحق إلا الزهد في زخرفها والرغبة عن الطموح إلى الارتفاع
فيها. هذا هو الباحث الذي وجد الحقيقة التي اعيي "ديوجين" البحث عنها
والتي أجاب عنها محمد (ص) عندما سأله متحير: "ما السعادة يا رسول الله؟"
. فقال: "هي القناعة"!
ولكن هناك في ركن العالم الباكي طائفة من الناس أثقل كل
واحد منهم كاهله بهموم الحياة، له ضميره وله حياؤه وله عفته وله طهره، ولكن له
ولعه بالألم وغرامه بالعذاب يوقظ ضميره إذا غفا ويشعل إحساسه إذا خبا ويقطع على
الراحة طريقها إذا سعت إلى قلبه. كما أن هناك من ضاقت الدنيا بأطماعه، لا يرى فيها
مكاناً لائقاً بذكائه ليتبوأه فأتعب عنقه لكثرة ما ينظر إلى أعلى. تبرم بالحياة
وتبرمت به فاتخذ منها رحيب جنباتها "حجراً" يضيق عنه، ومن الغريب أن
المتنبي يدعو مثله بذي العقول فيقول:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
كان لي صديق رزقه الله ثلاث بنات وأصبحت أمنيته في
الحياة أن يرزق ولداً واستجاب الله لدعائه وتحقق أمله في الحياة وشب الولد وكبر
وأصبح رجلاً. وكان أبوه يرى فيه زينة الحياة الدنيا. وما كان يعلم أنه مقامر وزير نساء،
وقد دفعه هذا إلى تزوير توقيع أبيه على سندات بدين. ولما كثرت الديون خشى افتضاح
أمره فوثب على أبيه وقتله خنقاً. فما أن علمت أمه بالخبر حتى أصيبت بصدمة قضت
عليها، وهب الدائنون على الثروة فأتوا على آخر مليم فيها، أما البنات الثلاث فيقين
إلى اليوم عوانس. ماذا لو قنع الرجل بما رزقه الله من بنات ولم يطلب تفاحة آدم
التي جرت وراءها الدم والشقاء؟ أما لو علمتم الغيب لأخترتم الواقع: أيها الطامحون:
ماذا بقي لإسكندر من فتوحاته في العالم؟
ماذا بقى لهانيبال الذي عبر الألب؟
بماذا احتفظ نابليون من انتصاراته الكثيرة؟
كان لإسكندر قبر فشل الباحثون في معرفة مكانه. كان
لهانيبال قبر أخفاه الدهر عن عيون المنقبين.
وخرج نابليون بقبر من حجر أصم يستحيل عليه الفرار منه
سيقال: ولكن التاريخ سجل أسماءهم.
ولكن التاريخ كتب هذه الأسماء بالجماجم والدم.
والتاريخ نفسه قد سجل أسماء أبي نواس، وبشار بن برد، ثم
سجل أخيراً اسم "جحا" وكتب أسماءهم بعصير العنب العطر.
وها هو العالم يذكر الولين فيذكر معه الفزع والرعب ويذكر
الآخرين فيذكر معه الضحك والمسرة والابتسام.
أي الفريقين بربك أفضل: أولئك الذين تجلب ذكراهم الحزن
والنكد أم هؤلاء الذين تجلب ذكراهم جمال الدنيا وزخرف الحياة؟
أما إن شئت أن تتعلم كيف تبتسم للحياة، وتبتسم لك، فتعال
معى أمر بك في أحياء القانعين. تلك الأحياء التي أطلق عليها أهل النعمة اسم
"أحياء الفقراء والمعوزين". تعال لترى أهل هذه الأحياء كيف غلبوا الفقر
وصرعوه. استلب ثيابهم فتركوها له وباتوا عرايا، واختطف طعامهم فتركوه له وباتوا
جياعاً. ولكنهم وقفوا جميعاً يهزأون بالفقر ويسخرون من الدنيا.
هذا يقول لأخيه: "اضرب الدنيا صرمة"، والثاني
يقهقه ويقول: "ما حدش واخد منها حاجة"، فيتردد هذا كله في أفواهم جميعاً
بالحقيقة الكبى: "الدنيا فانية".
هذه هي فلسفة العالم الحقيقية الصحيحة، إذا كانت الفلسفة
هي البحث عن أصول الأشياء.
هذا حق .. ابتسم "واضربها صرمة"، فليس ما
يستحق التوقير. وليس فيما يفوتك منها يستحق الندم.
ألم تدخلها عريان؟ فما يضيرك لو خرجت منها كما دخلت
فيها؟ أنك بهذا لن تفقد شيئاً. أنك ستبيعها بنفس الثمن الذي اشتريتها به، فعلام
الحسرة وأنت لم تخسر شيئاً؟
دع الحياة تسير في الطريق الذي ترسمه لنفسها، اتبع نفس
الطريق الذي أخطته ولا تجهد نفسك في تخير طريق جديد فهذا يكلفك مشقة التمهيد
والتعبيد.
ليكن كل أمل يومك مقصوراً على نسيان آلام أمسك. لا تفكر
فيما يأتيك به الغد، فإن كان مصيبة فلماذا تحاول أن تحس بها قبل وقوعها؟ دعها
لموعدها فقد تأتي عاصفة تدفعها عن طريقها إليك، وقد تدفع بها إلى عدوك وترفع عنك
بذلك مكروهاً.
وأن كان ما يأتيك به الغد خيراً، فأعلم أن الفرحة
المفاجئة هي الفرحة الكاملة، أما الفرحة التي تأتي رويداً رويداً فإن روعتها
تتلاشى عندما تصل إلى قلبك.
قل لي بربك، أيهما أحب لنفسك: "نجيب الريحاني"
أم "بيتان" بطل فردان؟ مات الأول وهو يبتسم للحياة، أو هكذا صور نفسه لنا.
مات وترك وراءه معجبين به، بكوه لن موته حرمهم من الابتسام.
وعاش الثاني كبطل لأنه استطاع أن يقتل ويمعن في القتل
حتى بنى أمام قلعة فردان قلعة أخرى من جماجم أعدائه، دفاعاً عن فرنسا ولكن فرنسا
شيعته عند موته بلعنة الخيانة. أنها لعنة الذين ماتوا في سبيل بناء بطولته الزائلة.
فلنترك الخيال الزائل ولنبحث وراء الحقيقة، والحقيقة هي
أن "الدنيا فانية" لا تستحق إلا أن نسخر منها "ونضربها صرمة".
